حسن الأمين
309
مستدركات أعيان الشيعة
وكانت مواقف غازي الوطنية ومجاهرته بالعداء للانكليز وللفرنسيين معا ، هذه المجاهرة التي كانت تتجلى أكثر ما تتجلى في إذاعة ( قصر الزهور ) تحرج الحكومة العراقية وتثير غضب الإنكليز . لذلك شاع يوم ذاك أن موت غازي لم يكن طبيعيا وأن أمرا دبر للتخلص منه . وهذه هي كلمتي في حفلة تأبين الملك غازي : إنني يا سادة باسم تلك العصب من الفتيان النضر الذين يهوون تحت الرصاص في بلاد الشام أنحني أمام هول الفاجعة في العراق ، وأنني باسم ذاك الدم الموار على سهول الغوطتين وفي محافي النيربين أخشع أمام دم الغازي . وإنني من أعماق القلب أحيي هذا الجمع الكريم وأحيي هذه الأرض الطيبة وأشكر الظرف الذي ساقني إليها فتعرفت إلى هذه الوجوه النيرة والطلعات المشرقة . بالأمس هب العراق يواسي الشام في فجيعتها ، وتدافع بنوه غضبا للظلم النازل بها ، فما أدري إن كان في موقفي هذا بعض المقابلة بالمثل . ولكن كلا يا سادة : فان غازي لم يكن للعراق فحسب ، فابن الشام شريك ابن العراق في هذا المصاب ، وغازي قبل أن يكون ولي عهد العراق في حياة أبيه كان ولي عهد الشام . وفيصل قبل أن يكون ملك العراق كان ملك الشام ، فموقفي بينكم ليس إلا موقف المفجوع بمليكه لا موقف المعزي لإخوانه . إنكم لتسمعون تلك الصيحات النارية التي تدوي بها بطاح الشام ، وترون ذاك الصراع الدموي فوق ثرى بردى . إنها صيحات الشعب الأنوف يأبى أن يمد يديه للأغلال ورجليه للأصفاد . إنها أصوات فتيان العرب الغطاريف يأنفون ذلة الاستعباد وعار الهوان ، قد أجمعوا أمرهم على الوثبة ، فإذا فاتتهم الحياة الشريفة فلن يفوتهم الموت الشريف . لقد قيل قديما : لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها فإذا ما حدثتكم حديث الجهاد فقد كابدتم هذا الجهاد وعانيتموه وبرزتم فيه ، فإخوانكم اليوم لا يزالون من حيث ابتدأوا يناضلون المستعمر بالدم والمال ، ولقد كان لهم من أبي الغازي ثم من الغازي بعده حصنا حصينا وسندا معينا ، ولقد تعالى صياحهم بالأمس : وا غزياه مستصرخين ، ثم تلفتوا فصاحوا : واغزياه . . . ولكن متفجعين ، فشتان بين الصيحتين ! . . . يا فتيان العراق : إن أمتين كبيرتين هما اليوم حديث العالم ، كانتا حينا من الدهر وكل واحدة منهما قبائل وشعوب ، فهبت في إحداهما ( بروسيا ) وهبت في الثانية ( بيدمنت ) فقادت الأولى ألمانيا إلى وحدتها الجبارة ، وقادت الثانية إيطاليا . وإننا نحن العرب الطامحين إلى مملكتنا الكبرى نتلفت إلى القطر العربي الذي يستطيع أن يمثل في العرب دور بروسيا في ألمانيا وبيدمنت في إيطاليا فلا نجده إلا في العراق . لقد كانت سوريا تستطيع أن تكونه ، ولكن سوريا الشهيدة رماها الله بعدو جاهل ظل على حربها طوال عشرين عاما حربا لا تهدأ . فسوريا لا تستطيع ذلك ما دامت وفي كل واد منها دم مطلول وثار مطلوب . فليس في الميدان اليوم إلا العراق . إن حدودكم ليست في قلب الصحراء على أبواب الرطبة ، إن حدودكم على ساحل البحر المتوسط ، وليس مرفا بغداد هو البصرة : إن مرفا بغداد هو بيروت وحيفا . يا فتيان العراق : ليست المملكة المؤلفة من خمسة ملايين هي المملكة التي تروي الظما القومي وترضي الطموح الوطني ، بل هي المملكة التي تضم العشرة الملايين ثم عشرات الملايين ، هي المملكة التي تضم العراق وسوريا وفلسطين أولا ، ثم البلاد العربية جميعا ثانيا . فهذه كانت أمنية فيصل وأمنية الغازي . وإذا كان فيصل الأول وشبل فيصل الأول قد ماتا قبل أن يرياها ، فان فيصلا الثاني سيراها إن شاء الله ( انتهى الخطاب ) . تعيين الوصي ولما كان ولي العهد فيصل قاصرا كان لا بد من تعيين وصي له يتولى شؤون الملك . وكانت أنظار الناس كلها متجهة إلى الأمير زيد عم غازي باعتباره أكبر رجل في الأسرة سنا وتجربة وقرابة ، ولكن فوجئ الناس بتعيين عبد الإله خال فيصل . وقد تبين أن الأمير جرى على هذه الصورة : كان رئيس الوزراء يوم ذاك هو نوري السعيد وله بحكم منصبه وبحكم أشياء أخرى القول الفصل في هذا الموضوع وكان هواه مع عبد الإله لا حبا [ بعد ] بعبد الإله ، بل لأنه كان يرى في الأمير زيد رجلا متمرسا بالحياة لا يسلس القياد ، بينما يرى في عبد الإله شابا غرا من السهل تطويعه ، ولنوري السعيد مطامعه في السيطرة على حكم العراق ، وهذه السيطرة لا تتم بوجود رجل قوي الشكيمة مجرب كالأمير زيد . وقيل يوم ذاك أن لنوري السعيد تجاربه مع الأمير زيد أيام كانا يعملان معا في دمشق بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى . ولما كان نوري السعيد لا يستطيع التظاهر بالانفراد في اختيار الوصي لذلك دعا رؤساء الوزراء السابقين وبعض من إليهم من غيرهم وطرح عليهم أمر اختيار الوصي ، فكان الجميع مع اختيار الأمير زيد ، ما عدا طه الهاشمي الذي اعترض بشدة على هذا الاختيار محتجا لذلك بان الأمير زيد أيام كان وزيرا مفوضا في أنقرة أحب زوجة موظف تركي وبادلته الحب فسعى لتطليقها من زوجها وتزوجها ، فلا يجوز أن يكون الوصي على عرش العراق زوجا لمثل هذه المرأة . . . فاقتنص نوري السعيد هذا الرأي وأعلن ميله إليه ، ثم دعم رأيه بان للملكة عالية أم فيصل رأيها الذي يجب احترامه في هذا الاختيار ، وأنها أبلغت إليه بان غازي كان قد أسر إليها بأنه إذا طرأ عليه طارئ فإنه يختار عبد الإله للوصاية على فيصل . وسواء أصح ما زعمه نوري السعيد من رأي غازي أم لا يصح ، فمن